القرطبي

319

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( وكنا ذرية من بعدهم ) أي اقتدينا بهم . ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) بمعنى : لست تفعل هذا . ولا عذر للمقلد في التوحيد . قوله تعالى : واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ( 175 ) ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة . واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم ( 1 ) ، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام ، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش . وهو المعني بقوله " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " ولم يقل آية ، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه . ثم صار بحيث ( أنه ( 2 ) ) كان أول من صنف كتابا ( في ( 2 ) ) أن " ليس للعالم صانع " . قال مالك ابن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان ، فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى ، ففيه نزلت هذه الآيات . ( روى ( 2 ) ) المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتي النبوة ، ( 3 ) وكان مجاب الدعوة ، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين ، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعوا على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه . فقيل له في ذلك ، لا أقدر على أكثر مما تسمعون ، واندلع لسانه على صدره . فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة ، وسأمكر لكم ، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى ، فإن وقعوا فيه هلكوا ، ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا . وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره . وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين ، فاستجيب له وبقي في التيه ( 4 ) . فقال موسى : يا رب ، بأي ذنب بقينا في التيه . فقال : بدعاء بلعام . قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه . فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم ،

--> ( 1 ) في ع وزوى : بلعم . وفى ز : ويقال : بلعم . وفى ى : ويقال : باعر . ( 2 ) من ع . ( 3 ) قوله : أوتى النبوة . فليتأمل كيف يؤتى النبوة ثم يضل فإنه مناف لعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . ( 4 ) التيه : موضع بين مصر والعقبة .